ابن أبي الحديد

191

شرح نهج البلاغة

من الاعراب ستدعون إلى قوم أولي باس شديد تقاتلونهم أو يسلمون ) ، وإنما أراد أن الرسول سيدعوكم فيما بعد إلى قتال قوم أولي باس شديد ، وقد دعاهم النبي صلى الله عليه وآله بعد ذلك إلى غزوات كثيرة ، إلى قوم أولي باس شديد ، كمؤتة وحنين وتبوك وغيرهما ، فمن أين يجب أن يكون الداعي لهؤلاء غير النبي صلى الله عليه وآله ، مع ما ذكرناه من الحروب التي كانت بعد خيبر . وقوله إن معنى قوله تعالى ( كذلكم قال الله من قبل ) ، إنما أراد به ما بينه في قوله ( فان رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي ابدا ولن تقاتلوا معي عدوا ) ، بتبوك سنة تسع ، وآية الفتح نزلت في سنة ست ، فكيف يكون قبلها . وليس يجب أن يقال في القرآن بالإرادة ، وبما يحتمل من الوجوه في كل موضع دون الرجوع إلى تاريخ نزول الآي ، والأسباب التي وردت عليها ، وتعلقت بها . ومما يبين لك أن هؤلاء المخلفين غير أولئك لو لم نرجع في ذلك إلى نقل وتاريخ ، قوله تعالى في هؤلاء ( فان تطيعوا يؤتكم الله اجرا حسنا وان تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما ) ( 1 ) ، فلم يقطع منهم على طاعة ولا معصية ، بل ذكر الوعد والوعيد على ما يفعلونه من طاعة أو معصية ، وحكم المذكورين في آية سورة التوبة بخلاف هذه لأنه تعالى بعد قوله ( انكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين * ولا تصل على أحد منهم مات ابدا ولا تقم على قبره انهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون * ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) ( 2 ) ، واختلاف أحكامهم وصفاتهم يدل

--> ( 1 ) سورة الفتح : 16 . ( 2 ) سورة التوبة 83 - 85 .